"مملكة التسبيح" ديوان شعر ولائي من القطع الوسط للأستاذ علي مكي الشيخ وهو باكورة أعماله الشعرية والذي جاء في مئة وواحد وسبعين صفحة مقسم على ثلاثة أقسام هي:
• قسم الولائيات والذي تعبق بأربعة عشرة قصيدة بعدد المعصومين الأربعة عشر.
• قسم الشخصيات والذي ضم تسع قصائد في مناسبات وشخصيات متعددة.
• قسم الغزليات والذي تورق بتسع عشرة قصيدة متنوعة.
العنوان والغلاف:
جاء الغلاف بلونيه الأصفر الأعم بتدليل للبني الفاتح ملائما لتدفق الخط البني ولوحة لشجرة فيسفائية الشكل عقيقية جذرها ثابت وفرعها في السماء توحي بإيحاءات قدسية جميلة تزينها الطيور والديوان من طباعة دار وحي القلم للطباعة والنشر.
مقدمة:
كان لتقديم الديوان على يد المبدع الشاعر الشيخ علي الفرج مفتاح نهم لتقصي وسبر هذا الديوان حيث ركز في هذا التقديم على نقطتين أساسيتين هما المبدع-والنص مما يفضي لشهية تناول هذا الكشف ومدى حقيقة تجلي هاتين الركيزتين من خلال استعراض بعض النصوص.
افتتاحية:
إن السبر المتقن في إيقاعات الفكر وغناء الأشطر هو محفز ذو قيمة للكل كاتب يتناول مكامن الإبداع وتمواجاته وما تخلله في لغته التي تناولها من حيث النجاح في النص وعدمه فالتبسيط مثلا يتطلب القدر اليسير من الأحكام النظرية والقواعد الفكرية بيد إن الإيجاز لقراءة ما يتطلب الجهد لإيفاء العمل الأدبي حقه من جهة والكاتب من جهة أخرى.
فالاتجاهات الشعرية المعاصرة تكاد تتفوق في الوقت الراهن على كثير من الفنون الجمالية لكثرة تنوعها في استخلاص شذرات محلقة من عمق ثقافة النص ومدى تلاقح فكر الكاتب مع الروافد المتاحة في ساحته الأدبية بين اختيار الطريقة المألوفة في العرض والمباشرة في سرد النص والإحالة التوثيقية وبين إدراك تعميق المعنى كركيزة وابتكار الصورة التي تفضي للسؤال الباحث عن حقيقة تلامس طواعية شغاف القلوب والعقول على حد سواء.
الديوان:
تراوح هذا الديوان "مملكة التسبيح " في أقسامه الثلاثة المختلفة بين النصوص المغلقة تحت وطأة الاستدعاء الرمزي العرفاني/القرآني وبين انفتاح النص وحريته بحرفة متقنة من خلال ما يريد أن يبين تارة وما يخفي خلف فلسفته تارة أخرى معبرا عن ثورة روحية يفتعلها حسب الحاجة بانفتاح لفظي يتقدم دون توقف يشعر المتلقي بالسريالية الشعرية استطيع نعتها"بالسريالية دينية" ليكشف عن ذكاء متقن لمعايير ومقاييس الشاعرية التي تمحور حولها الشاعر دون حذر.
فهنا على سبيل المثال يقول في قصيدة عنونها بعنوان الديوان "مملكة التسبيح" وقد تسيد مدخل القصيدة المقدمة وخلفية الغلاف:
فداء عينيك هل صلى الهوى لهما فـالقلب أقـسم أن يبنيهما iiحرما جـفناك يـا حانة الأشواق أغنية عذراء يرقص تسبيحي لها iiنغما
هنا تتكشف لوحة دلالية أخضعها الكاتب من خلال الافتتاحية بإيحاء صوتي لعب به على وتر السؤال ليخضع النص التواصل القلبي والعقلي على الغموض المكتنف للسؤال ليعوض هنا بتحليل الشعور في الشطر الذي تلاه بكشف آخر وغاية أخرى بلغة شبه خاصة يأنس لها المتلقي ليجمع شتاته من الصورة الأولى المتمحورة دائما حول مفردة "العشق" ومرادفاتها اللغوية حيث ترتفع وتتوهج هذه الصور العشقية المسكرة والشفاه الظامئة على وتيرة واحدة بين النصوص مطعما إياها بثقافة تستميل المتتبع بالإستدعاءات اللغوية من روافد اللغة الثابتة كالآيات والأحاديث الشريفة.
يتمترس الديوان خلف لغة فلسفية عالية منطلقة من الثقافة القرآنية بحيث تشربت صوره بعناوين جذابة وجدلية بين من يؤمن بهكذا استدعاء وبين من يراه تعديا على اللغة القرآنية التي يجب أن تبقى بعيدة عن التصرف ليدخل هذا الديوان حول جدلية قديمة حسمها البلاغيون.
فعن كتاب البلاغة الواضح (البيان المعاني البديع) القاعدة رقم (69)
الاقتباس تضميين النثر أو الشعر شيئاً من القران الكريم أو الحديث الشريف من غير دلالة على أنه منهما , ويجوز أن يغير في الأثر المقتبس قليلاً . انتهت القاعدة.
فمن وحي ثقافة الأنطلوجيا التي غرست جذورها في ذات الكاتب حيث نرى طفوا بين الفينة والأخرى لتلك الذات المتجذرة بكل قواها بتلك اللغة المحفزة والقرآنية المقدسة فجاءت العناوين للنصوص من صميم تلك اللغة على النحو التالي:
الولائيات :
ليس كمثله شيء/فبأي آلاء الغدير تكذبان/يسألونك عن الغدير/والحسن وما يسطرون إنا أنزلناه في ليلة الطف/ وهكذا..
يلتمع في هذه العناويين دلالات التجانس القرآني بين من كتب لهم النص بعقيدة خالصة وتحدي لفك الرابط الذي يفسر النص بعلاقته الدلالية من خلال غرابة المجازات المرسلة والاستعارات.
لتلتئم الصور والأجزاء من خلال النص نفسه والتي قد لا تفضي لقابلية فهم تام آثر الكاتب البحث عنها عند المتلقي ليدور النص حول التفسيرية باختلاف ثقافة المتلقي وهو ما يسمى "بغرابة المجاز"
لننجز هنا إن القسم الولائي كان معبرا بفلسفة عليا اتسقت لغتها مع هدفها وابتكاراتها المرسومة التي خمرت لغة الشاعر العذبة برياح ثورة الوجدان التي لم تنطفئ جذوة عمودها الشعري المتصاعد رغم تقاربها في انتزاع تشبيهاتها واستعاراتها وانزياحاتها بريشة من جناح التأمل ورغم تعبقها لغة الشعراء النجفيين فارعي الصيت وهدير قوافيهم الأقرب للتفسيرية.
الشخصيات"الإخوانيات"
قد كان من المعروف في الشعر ألإخواني مباشرة المعان وترصيع البيان سمة في ذلك الفن دون فلسفة تذكر إلا حنين الشغاف وأبيات الحنين والثناء إلى حين وقت الرواد العراقيين نازك والسياب والبياتي الذين صدروا الثورة الشعرية الجديدة في شكلها الأول بالتخلص من الرتابة والثناء المغرق والتكرار الشعري المقولب.
فجاءت قصيدتي :"من أشياء الله- حدثنا الغيب عن الغيب" مزاوجة امتزجت بمنهج الحركة الإيقاعية العمودية وحركة التخلص من أسر الشكل الصارم ,منازعة لميل الشاعر وقيده وربط المسوغ في استنساخ إيحاء شعري بخلاف المنهج العمودي برغم تعالق الصور بين المنهجين
للروح الثائرة للشاعر لصالح الصورة واللغة بتجاوز الشكليات الخالصة نحو تسامي استحداثاتها المتجاوزة ففي " من أشياء الله" لم تكن تختلف كثيرا عن سابقاتها في القسم الولائي وان كتبت على نهج يوحي بأنه تفعيلي وهو ليس كذلك
تخبأ فينا سر عينيك iiكالهوى وكـل فؤاد لست فيه iiمجرد ويشتاقنا القرآن/جبريل والسم لأنـك فـي أنـفاسنا iiتتجدد
أما في "حدثنا الغيب عن الغيب " كانت اللغة السردية هي السمة الطاغية عند الراوي حيث حلت محل الدفق الشعوري حين ربطت بين الحلم والشعر وفتحت باب اللاوعي دون روية على مصراعيه مكونة انزياحا لفظيا بكشف دون تحفظ بضرورة مجانبة الخطابية دون احتراس إلا إنها تماشت مع المنهج السردي الحديث بروعة وصفاء.
"أيها الساقي كؤوس الخمرة الأولى تجليت على أقداحها... السارق سر الجوهر الفرد على ميعاد حشر الشوق فيها لذة للشاربين"
أما القصائد الأخرى فجاءت منبرية صادحة بتنفس شعري متعمد الأسلوب وزنا وقافية ومذهبا حيث اتشحت بألفاظ المخزون الشعري في التجارب الشعرية لميلها للموضوعية التي تحوم حولها قصائد المناسبات دون كبح لمشاعر الذات المسترسلة فيما تريد إيصاله للجمهور بإيقاع لم يستلهم الحركة النوعية للقدرة الإبداعية التي رأيناه في القسم الأول مما ضرب هنا رواقا من الحيرة من حظها في التجديد لتمسكها بالمحافظة إلا من ومضة هنا أو هناك.
فمن قصيدة "الشاعر الوطن" في العلامة الخطي رحمه الله يقول:
عيناك صلى فيهما iiالأمل وترنحت سكرى لك المقل ونسجت يا لغة الهوى iiلغة بـحروفها تتقدس iiالجمل
إلى أن يقول:
وملأت كل جرارنا iiحكما وحكيت أن الجرح يندمل
وفي قصيدة" وعلم آدم الشعراء" في الأستاذ السيد عدنان العوامي" في تكريمه جاءت القصيدة مستثناة عن أخواتها لتعود بنا للقصائد في القسم الأول من الولائيات حيث اندفعت روح الشاعر الثائرة المحلقة نحو تماهيها بذات العشق و المنشأ الحب الجارف الذوبان بكل ما تحمله معاني الحب والوفاء لتطفو وتتفتق قريحة الشاعر الملتهبة بالحب على معنى الانزياح المشبع بروح المبالغة بتفريغ كأس الشوق المقدس على ناصية الثناء والانتماء حتى فاقت روعتها خليلتها "ليس كمثله شيء" رغم فارق مكنوناتها العاطفية والانتمائية لتعكس مراياها وقدراتها دون قيد أو رقيب منطلقة من "عبديتها الشعرية" مرصعة بجو المناسبة دون خضوع إلا لبوح الشعر ودلالاته الحركية المستوحاة من محرك وديناميكية الحدث وجودة الصورة دون تحرر من الشخصية وهيمنتها على قوى القاموس اللغوي وصلة الشاعر بها حيث يقول هنا:
آت وفـي لـغتي شـوق يحن لكا يا صانع الحرف بوح الحرف لحنكا يـا أيـها الـساجد الأحلى iiلنخلتنا بالله حـسبك أن الـشوق iiأتـمركا
حيث نجد هنا تفجر طاقة شعرية هائلة كادت تودي بالمعنى لولا استدراك ذكي أردفه الكاتب حين قال :
في الساجدين غدا قدما يغازلنا أن القطيف قوارير خلقن iiلكا
إلا إن التفكك الظاهري للقصيدة اوجد تداخلا معنويا باستدعاءات الأرض لملأ الفراغ بالحث للتفتيش عن روابط داخلية كتلك الأساطير التي تلم خيوطها إجابة الراوي لسرد مخيلته كيف يشاء وكيف ما يؤمن ببعث ثورته الروحية والشعرية بانسجام تام حتى وان خرج من فوهة الزمن إلى اللحظة العالقة بين الإيحاء الذي يصوره إحساسه بآدمه الشاعر كقوله :
يمناك تكتب آيات الهوى قدرا ك(ليلة القدر) سر الكون أنزلكا
وهنا وفي قصيدتين متقاربتين في التعبير نتصور مدى الصلة الموضوعية وليس التعبير البطيء في العلاقة حيث يطغى تجسيد الزمن والاستسلام للحظة القصيدة الثانية من خلال تعابير هائلة القدرة في تحديد مطاردة الصورة حتى تكاد تكون مرئية لضخامة صورها الغزليات.
وينحسر هذا الظل في القسم الغزلي الذي يمثله الوجدان الذاتي والحلم العشق فذلك الوجد المنتفض الثائر تراه هنا وديعا يحاول رسم دقات قلبه بتأني بانتقاله من حالة الثورة إلى دائرة الزمن الحب ومن صراع الإنتماءات إلى تجليات الطمأنينة الأبعد عن زمن الأنطلوجيا والأيدلوجيا كرابط يخلص باهتزاز تنفصل معه الأزمان الأخرى حيث يسكنه خوف الضياع عن الحبيب ففي قصيدة "سخرية القدر" ترتسم هالة من ضجيج مبحوح ومتعب
أنا مازلت أغني للجراح المتعبة فوق ثغري تتلوى آهة iiمغتربة
وهكذا في "غزل الحكايا " يقول:
عـشـقتك رغـم مـا iiألـقى فاني لأجلك قد رضيت بأن ألاما
إلى أن يقول :
أيـا قـدري ألفتك لي عذابا وأهل الشوق قد ألفوا السقاما
ونجد في قصيدة "نبوءة العشق "
نجد تعاقب الصور متولدة من سياق ما سبقها بمنطقية عزف وتداخل إيحاء فاقع ودون ريب الشعر الذي كان في سابقتها بحيث ندرك من لفظة "أدوخ" لا تعني هنا السأم بل تعني الاسترخاء
لنجد إن المقطوعة غير مفرغة من دلالة الزمن مما يجعل الخوف حاضرا دون دهشة تحلق على غير المتوقع في هكذا نصوص فهي أكثر انجذاب لواقعية الغزل رغم تفوقها على رفيقاتها في التفعيلة "واراك ترسم في جدار الروح آيات المشيئة في الهوى والعشق يفعل ما يشاء"
الخلاصة: بيد أن الاختلاف في التطبيق يجيء بالتفاوت بين الاختلاف العميق في إبداعات الشعر ولغته إلا إن الصورة واللغة أصبحا المادة الخصبة التي تميز العمل وتجعل منه ذا قيمة حقيقية يبنى مفهوم الأدب والشعر على أساسه وان تطبيق مفهوم الالتزام لم يتحدد في شكل أو قالب لذا تكون التجارب الشعرية مدعاة للقراءة المستفيضة وخلاصة ما يقال انه علاقة متبادلة بين الشاعر والمجتمع وهي ليست علاقة أخذ وعطاء أو علاقة ذوبان بل هي علاقة تطابق تشعرك بمحتواه.
وهذا ما نجح فيه الأستاذ في ديوانه الجميل "مملكة التسبيح" بما قدمه من حرية لتعبير الإنسان الشاعر من عمق وجوده الإنساني رغم جدلية الاستدعاء.